"محاضرة تذكارية عن حياة السلطان قابوس" لجيريمي جونز

AOS

April 9 2020

الجار الطيب
محاضرة عن حياة جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه ٢أبريل ٢٠٢٠م
ترجمة نبيل عبدالرحيم

خالص الشكر والتقدير للجمعية العمانية البريطانية على هذه الدعوة لإلقاء هذه المحاضرة، وشكر خاص لرئيس الجمعية "ستيوارت ليانج"

شكراً لكم على حسن الاستماع

أزور سلطنة عمان باستمرار منذ أربعين عاما تقريبا. وأود في البداية أن أقول ان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، وعمان يمثلان شيئاً واحداً بالنسبة لمعظم العمانيين وبالنسبة لي شخصياً. وهذا بحد ذاته يعتبر مقياس لحجم تأثير جلالة السلطان الراحل على شخصية العمانيين وحياتهم الاجتماعية وحياتهم العامة.

على الرغم من أنني حظيت بشرف لقاء جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، في مناسبة واحدة - لا تُنسى - إلا إنني في كل مرة أزور السلطنة، ألمس فيها تأثير جلالته الواضح، الذي يتمثل في الهدوء، والضيافة، والمجاملة والكرم الذي لا ينضب: هذه بعض سمات العمانيين الذين تفاعلت معهم على مر السنين. وتلك هي السمات التي أنتم جميعا بلا شك تعرفونها حق المعرفة. وهي بالطبع السمات الشخصية لمختلف أبناء الشعب العماني في كل أنحاء البلاد. بيد أن استمرار هذه السمات وانتشارها يرجع إلى حد كبير إلى شخصية السلطان قابوس طيب الله ثراه. وبينما نتذكر جلالته رحمه الله، نشعر إننا نعيش في وجود عبقريته الخاصة بالسمو الاجتماعي التي تتجلى في حياة المواطنين الذين يجسدون أخلاقه. ومما لا شك فيه أيضاً أن هذه السمات توفر أساساً هاما تسترشد به السلطنة وهي تمضي قدما تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق

أود أن أشاطركم بعض الأفكار حول أهم المساهمات التي قدمها السلطان قابوس- طيب الله ثراه- في حياة عمانهناك عدد قليل جدا من قادة العالم، إن وجد، الذين ارتبطت إسهاماتهم الفردية، في الحياة العامة، ارتباطا وثيقا ومتشابكا بالتنمية في بلدانهم، ويحظون بتقدير استثنائي داخل البلاد وخارجها. وفي حين لا يمكنني أن أوفي السلطان قابوس حقه إذا تحدثت عن إنجازاته طوال قرابة خمسين عاما هي فترة حكمه للسلطنة، إلا إنني أستطيع أن ألقي الضوء على الأقل على بعض السمات المميزة لإنجازات جلالته في مجالات الحياة العامة للعمانيين والسياسة العامة، وهي أمور معروفة لي شخصيا.

هناك مجالات أربعة تستحق الاهتمام

·المجال الأول، هو السياسة الخارجية، حيث يُعزى استقلال عمان والتزامها بتسوية النزاعات إلى توجيهات السلطان قابوس، الأمر الذي حظي بتقدير واسع النطاق خلال فترة حكم جلالته وبعد وفاته عند تقييم تأثير جلالته على المستويين الإقليمي والعالمي

·المجال الثاني، هو التنمية السياسية حيث بدأ جلالة السلطان قابوس- طيب الله ثراه- في تسعينيات القرن الماضي على وجه الخصوص في تطوير المؤسسات التي أتاحت للمواطنين العمانيين الفرصة للمشاركة في رسم مستقبلهم السياسي

·المجال الثالث، هو السياسة الاجتماعية، وبخاصة عندما نتحدث عن الصحة، حيث كانت ثقة السلطان قابوس في التضامن الاجتماعي بين العمانيين سببا في تحقيق تطور ملحوظ في الرعاية الأولية. وقد اعترفت مؤسسات عالمية كبيرة بهذا الإنجاز الاستثنائي وسرعته واستجابته. كما حدث تطور ملحوظ في مجال التعليم

·وأخيراً، أود أن أتحدث قليلاً عن الثقافة العمانية، حيث كان لدى السلطان قابوس التزاما ثابتا بالشخصية الإسلامية المنفتحة والمتسامحة، واعتمد بوجه خاص على تقاليد الشورى والاجتهاد التي ينادي بها المذهب الإباضي في وقت حاولت فيه الأصوات الضيقة والخطيرة الهيمنة على الخطاب الثقافي العماني

ومثلت الاستمرارية القاسم المشترك في كل مجال من هذه المجالات الأربعة. وهذا يعطينا فكرة عن شخصية جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، كإنسان وكقائد. ومن هنا يأتي عنوان هذه المحاضرة. ذلك لأن في كل مجال من هذه المجالات، التي سأناقشها لاحقا، أعتقد أن جلالة السلطان قابوس كان على يقين أنه يمكن الاعتماد على سلطنة عمان كجار طيب

لذا دعونا أولاً نفكر فيما يعنيه أن تكون جارا طيبا. ففي هذا الوقت الغريب والعصيب الذي نعمل فيه جاهدين على إعادة تنظيم حياتنا اليومية، في مواجهة جائحة كورونا، فإننا بلا شك  نفكر فيما يعنيه أن تكون جارا طيبا. وأعتقد أن الجار الطيب يعني ما يلي

.أن يكون موجودا على الدوام ومتاح للحديث معه-

.لكنه يكون دائما حساس لرغبتكم في السلام والهدوء-

.أن يكون موجودا وقريبا لتقديم الدعم العملي لكنه لا يقحم نفسه في حياتك-

.أن يشترك في المسؤولية عن الاعتناء بالجوار ورفاهية قاطنيه-

.أن يدرك أن التعاون والتشاور فيما بين الجيران هو أفضل طريقة لإيجاد الحلول للمشاكل المشتركة وبناء جوار أفضل من اجل المستقبل-

.اسمحوا لي الآن أن ألقي نظرة على المجالات الأربعة المحددة التي تصرف فيها جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، كجار طيب 

تعدسياسة عمان الخارجيةأحد المجالات التي أكد عليها جلالة السلطان هيثم بن طارق في خطابه الافتتاحي، وهي ذلك الجانب من حكم السلطان قابوس، طيب الله ثراه، الذي جذب أكثر التعليقات الإيجابية في وسائل الإعلام يوم وفاة جلالة السلطان قابوس. فقد ركزت التعليقات بشكل أساسي على الطرق الملموسة والعملية التي نجحت فيها سلطنة عمان في مساعدة أصدقائها وحلفائها في التعامل مع مشاكل ونزاعات عصية على الحل. إن صورة دولة تمارس الدبلوماسية الماهرة خلف الكواليس هي صورة جذابة لأنها تنقل شيئا عن واقع السياسة. بيد أن هناك ما هو أكثر من التدخلات الدبلوماسية التي تجري خلف الكواليس. وما كان لهذه التدخلات أن تحدث إلا لأن السلطان قابوس أرسي سياسة خارجية يفهمها أصدقاء السلطنة وجيرانها. كما أنها سياسة خارجية خلقت الثقة التي كانت بمثابة الأساس لتلك التدخلات. إنه الالتزام الدائم والمستمر بهذه السياسة التي يستحق السلطان قابوس كل الشكر والثناء عليها. إن هذه السياسة تستحق المزيد من الدراسة المتعمقة

تولى السلطان قابوس، رحمه الله، مقاليد الحكم في البلاد في وقت كانت عمان تواجه تحديات كان من الممكن أن تدفعها إلى اتخاذ مواقف دفاعية بل وربما عدوانية تجاه جيرانها المباشرين. ففي الماضي الحديث، كانت أكبر جيران السلطنة وأقواها في شبه الجزيرة العربية – المملكة العربية السعودية- تدعم قوات المعارضة المسلحة، بل ولم تكن واضحة في اعترافها بالسيادة العمانية. كما شككت الإمارات المتصالحة، التي سرعان ما شكلت دولة الإمارات العربية المتحدة، في شرعية سلطنة عمان وسلامة حدودها. وفوق كل هذا وذاك، كانت حكومة الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية تدعم التمرد في ظفار الذي كان يشكل تحديا وجوديا لسلطنة عمان

وبدلاً من الاستجابة على نحو سلبي لهذا الموقف، بادر السلطان قابوس، فور توليه العرش، إلى بناء علاقات جيدة مع الجيران الرئيسيين، التي أدت، كما تذكرون، إلى تحقيق تعاون حيوي بين عمان وكل من إيران والأردن (والمملكة المتحدة أيضاً) للتصدي إلى التمرد في ظفار وإنهائه. كما أدّى ذلك أيضاً إلى بدء عملية المصالحة والتجديد الوطني، استطاع من خلالها الجيران الذين كانوا في حالة حرب مع بعضهم البعض البدء في العمل معا على كافة الأصعدة، بداية من المجتمعات المحلية إلى وزارات الحكومة المركزية

وفي الوقت نفسه، اتخذ السلطان قابوس سلسلة من الإجراءات للتأكد من أن علاقات سلطنة عمان مع المجتمع الدولي تكون مبنية بشكل عام على أساس مناسب. وفعل ذلك على الرغم من وجود قدر معين من المعارضة على المستوى الإقليمي، لدرجة أن البعض شكك في شرعية حكم جلالة السلطان ووحدة عمان وسيادتها. وقد نجحت جهود عمان في هذا الصدد، التي لعب فيها بالطبع والد جلالة السلطان هيثم بن طارق دورا مهما في كسب اعتراف المجتمع الدولي وبدء مشاركة سلطنة عمان في المنظمات الدولية والإقليمية الرئيسية، مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. وبالتالي، استطاعت السلطنة تأكيد مكانتها وسط جيرانها المباشرين، وبدأت التحرك نحو عقد اتفاقيات حدودية مع جميع جيرانها. وكانت تلك الاتفاقيات أساساً لتعزيز التعاون عبر الحدود أو بالأحرى التعاون مع دول الجوار

كرس السلطان قابوس الكثير من وقته وطاقته لهذه القضية بالذات، واستطاع خلال سنوات حكمه الأولى وبنجاح كبير إقامة علاقات شخصية قوية مع الجيران الرئيسيين، بدأها بالقيام بزيارات رفيعة المستوى إلى تلك الدول ولقاء قادتها شخصيا. تلك العلاقات الشخصية مع قادة دول الجوار، وبخاصة الشيخ زايد حاكم أبوظبي، وعاهل الأردن الملك حسين، أثبتت أهميتها في تطوير سياسة عمان الخارجية المتميزة البراغماتية والمعتدلة

وبعبارة أخرى، كرس السلطان قابوس، رحمه الله، قدرا كبيرا من الجهد خلال سنوات حكمه الأولى لضمان أمن عمان واستقرارها واستقلالها على المدى الطويل، وللتأكد من بناء علاقات عمان مع جيرانها على أسس صلبة وآمنة. وقد أكد هذا النهج على أن سلطنة عمان ستكون على استعداد لتقديم الدعم والمساعدة والتعاون لجميع جيرانها عند الاقتضاء

إذاً، كانت هذه هي الركائز الأساسية التي سعى السلطان قابوس، رحمه الله، من أجل بناء سلطنة عمان على أساسها. وما يدعو إلى الاندهاش، على ما أعتقد، أن السلطان قابوس أرسى تلك الركائز خلال سنوات حكمه الأولى. لقد أدرك جلالته، في خضم الظروف الصعبة في عام ١٩٧٠م، أن العلاقات الجيدة مع دول الجوار كافة في غاية الأهمية إذا كنت تريد الاستقلال وتوفير حياة جيدة للشعب العماني

حظيت الركائز الأساسية للسياسة الخارجية العمانية التي نعرفها الآن باهتمام كبير في تسعينات القرن الماضي وجاء ذلك نتيجة لسلسلة من التجارب التاريخية ذات الأهمية الكبرى بالنسبة لسلطنة عمان: أول تلك التجارب هي الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، ثم الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، وأخيراً نهاية الحرب الباردة

تطلبت تجارب الاضطرابات والصراعات التي شهدتها منطقة الخليج أن يقوم زعيم دولة صغيرة تعيش على مقربة من دولتين كبيرتين كانتا في حالة حرب مع بعضها البعض، وتواجه ضغوطاً للإنحياز إلى أحد الأطراف مثلما فعل الجيران الآخرين، بوضع سياسة يحافظ من خلالها على المصلحة القومية من خلال الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف. فضلا عن ذلك، كانت الطبيعة الحادة للأزمات الإقليمية المتعاقبة سببا في تعزيز الرغبة في فعل شيء للتخفيف من آثارها. وربما كان الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف وسيلة للحفاظ على الذات، لكنه تطور إلى اعتراف بأن هذا الموقف سيمكن السلطنة من الانخراط بنشاط أكبر على نحو يؤدي في نهاية المطاف إلى دبلوماسية التيسير التي اشتهر بها جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه

وجاءت نهاية الحرب الباردة لتعجل هذا التطور في السياسة العمانية، وكان السلطان قابوس سريعاً بشكل غير عادي في إدراك حجم التغيير الذي سينجم عن انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق وفي أوروبا الشرقيةكان جلالته يكلف المسؤولين بإجراء تحليل مفصل لهذه الأحداث وتداعياتها في وقت مبكر جدا. أنا شخصياً أعتقد أنه أدرك أن حالة ما بعد الحرب الباردة سوف تبطل المنطق الذي استند إليه الجميع عند الانحياز إلى طرف دون الآخر، وأن هذا الأمر سوف يتطلب سياسة خارجية أكثر حنكة للانخراط على نحو مناسب في عالم متعدد الأقطاب

واستجابة لهذه التجارب والتطورات، تم تطوير مبادئ السياسة الخارجية الأساسية، التي يرجع الفضل فيها بشكل مباشر إلى فهم السلطان قابوس لوضع السلطنة الجيوسياسي. وتتمثل هذه المبادئ الأساسية، أولاً وقبل كل شيء، في أنه لا ينبغي اعتبار أي علاقة أو تفاعل أو تفاوض على أنها معادلة صفرية. ثانياً، لا يمكن للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط أن يكون فعالا إلا إذا تعاون جميع الأطراف الفاعلين الرئيسيين في المنطقة مع بعضهم البعض، بدلاً من العمل ضد بعضهم البعض. ذلك لأن الأمن الإقليمي يجب أن يكون جماعيا. ثالثا، يجب إبقاء جميع قنوات الاتصال مفتوحة: فالمقاطعة، ورفض التعاون، وقطع العلاقات الدبلوماسية، كل ذلك يتعارض مع هدف حسن الجوار

بمجرد وضع هذه المبادئ الأساسية، بدأ المسؤولون الحكوميون العمانيون في التعبير عنها بشكل صريح، ولم يحيد عنها السلطان قابوس، الذي قام بتطويرها من خلال ممارسته الدبلوماسية الخاصة حتى وإن لم يسعى أبدا إلى تنظيرها، رغم أنه كانت هناك أوقات تستدعي الحياد عنها بسبب الكثير من الضغوط

بناًء على ما قاله جي سي ويلكنسون في كتابه "دراسة عن الأفلاج في عمان"، ليس من المبالغة في شيء اعتبار نهج سلطنة عمان إزاء السياسة الخارجية في السياق الدولي كانعكاس لثقافة تقاسم مياه الأفلاج بين المواطنين التي تعود لقرون عديدة. بمعنى آخر، يمكن القول إن المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية العمانية مستمدة من فهم خاص للجوار، باعتباره مكان ومجموعة من العلاقات التي تعتمد على مستويات عالية من التعاون وشعور بالمصلحة الذاتية التي لا تتعارض مع مصالح الآخرين. ينبغي تقاسم مياه الفلج في عمان بطريقة تعاونية، يتم الاتفاق عليها وفقا لممارسة راسخة، يحترمها الجميع كما لو كانت قانون. إن مزايا هذا النوع من التعاون من البداهة بمكان لدرجة أنه ليس من المنطقي لأي شخص أن يقترح أي طريقة بديلة يسعى من خلالها الأفراد إلى خدمة مصالحهم الخاصة على حساب مصالح جيرانهم

كان هذا النهج الذي اتبعه السلطان قابوس، طيب الله ثراه، إزاء السياسة والتعاون الإقليميين أساس مشاركة سلطنة عمان في عملية السلام في الشرق الأوسط منذ عام ١٩٩١م. ومن الواضح أنه قد تم التأكيد على سياسة الحفاظ على جميع قنوات الاتصال والعمل بها في وقت مبكر بدءًا من قرار السلطان قابوس الجريء في ١٩٧٩م بعدم الانضمام إلى قرار جامعة الدول العربية الخاص بمقاطعة مصر بسبب اتفاق السلام مع إسرائيلواستمراراً لهذا الموقف، شاركت سلطنة عمان في عملية مدريد للسلام في عام ١٩٩١م، وعملت بنشاط في المسار المتعدد الأطراف بغية التوصل إلى تسوية سلمية. ولم تكن مشاركة عمان في مجموعة عمل الموارد المائية وتأسيس مركز أبحاث تحلية المياه في الشرق الأوسط مفاجئة لأي شخص كان يدرك العلاقة الوثيقة بين سياسة عمان الخارجية وتجربة شعبها في الإدارة الجماعية لموارد المياه. استطاع السلطان قابوس، طيب الله ثراه، من خلال الانخراط في عملية السلام بهذه الطريقة، قيادة السلطنة إلى النظر في الدخول الحذر في الحوار مع إسرائيل، واشتمل ذلك على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين إلى مسقط في ديسمبر ١٩٩٤ م. ثم أرسلت السلطنة وفدا رفيع المستوى برئاسة وزير خارجيتها يوسف بن علوي بن عبد الله للمشاركة في جنازة رابين في العام التالي، وكان ذلك بمثابة مؤشر آخر على الأهمية الكبيرة التي كان يوليها السلطان قابوس لفكرة تطبيق السياسة الخارجية كجار طيب

الجار الطيب في السياسة الخارجية، هو الجار الذي يضع رفاهية الجوار فوق المصلحة الفردية أو المصلحة الوطنية. أو بالأحرى، هو الجار الذي يدرك أن خدمة المصلحة الوطنية تتحقق من خلال الاهتمام بمصالح الجارفالجار الطيب هو ذلك الشخص الذي يكون على استعداد للحديث إلى جميع الجيران الآخرين، ويسعى من أجل التوصل إلى حلول جماعية بدلا من تلك الحلول التي تحابي طرف على حساب الطرف الآخر

يعرف الجميع تمام المعرفة كيف تصرف السلطان قابوس كجار في السياسة الخارجية، ولا شك أن جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، يستحق الثناء الذي حصل عليه بسبب ذلك. لكنني أعتقد انه من الأهمية بمكان أن نفهم كيف طبق جلالته نفس المبدأ على مجالات أخرى ربما اقل وضوحا، بما في ذلك التنمية السياسية في عمان

لم تتم مناقشة التطور السياسي في عمان على نطاق واسع لبعض الوقت. إن مساهمة السلطان قابوس- رحمه اللهفي هذا التطور، وهنا أشير إلى عملية تطوير المؤسسات العمانية الأكثر فعالية والأكثر تمثيلا- لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه. ففي منتصف التسعينيات، قدم جلالة السلطان قابوس عددا من المبادرات، التي لم تكن مهمة في ذلك الوقت فحسب، بل إنها كانت تنطوي، على ما أعتقد، على إمكانيات كبيرة لمستقبل عمان. وإذا أخذنا كل هذه المبادرات في الاعتبار، سوف نكتشف أنها واحدة من أهم عناصر إرث جلالة السلطان قابوس رحمه الله

شكلت تلك المبادرات عنصراً أساسياً في مشروع جلالة السلطان الخاص ببناء الدولة، وتضمنت إيماءات بشأن الاندماج السياسي: بدءًا من المصالحة مع المعارضين السابقين لحكم والده، ومروراً بدمج الأفراد الموهوبين من مختلف الخلفيات الثقافية والجغرافية في الحكومة، وانتهاءً بتعيين المرأة للعمل في مجلس الوزراء اعتبارا من عام ٢٠٠٤م. 

أول تلك المبادرات المهمة التي أطلقها جلالة السلطان قابوس في التسعينيات كانت منح حق الاقتراع للبالغين في مجلس الشورى. أما المبادرة الثانية، فهي إنشاء مجلس الدولة، وكانت المبادرة الثالثة ضرورية لدعم تطوير مجلس الشورى والدولة، وتمثلت في إصدار النظام الأساسي للدولة عام ١٩٩٦ م. وقد حظيت هذه التطورات بقدر لا بأس به من الاهتمام في ذلك الوقت: على سبيل المثال، قوبل انتخاب أول امرأة في مجلس الشورى في عام ١٩٩٤ مبتعليقات واسعة النطاق، وذلك في سياق الحديث عن دعوات السلطان قابوس المتكررة للمرأة لكي تلعب دورها في مشروع التنمية الوطنية

لكن عملية التنمية السياسية في عمان بوجه عام لم تحظ إلا بالقليل من التعليقات. على سبيل المثال، فإن ما يدعو إلى الدهشة هو أننا لاحظنا قبل فترة وجيزة من الإعلان عن وفاة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، أنه كانت هناك تكهنات حول الخلافة نشرتها صحيفة الجارديان البريطانية وصفت فيها خطط الخلافة بأنها عملية معقدة للغاية مستخدمة تعبيرbaroque .

كما نعلم جميعا، وردت ترتيبات الخلافة في النظام الأساسي للدولة الصادر عام ١٩٩٦ م، وتتضمن عملية تشاور فيما بين مجموعة محددة وواضحة المعالم ومدعومة بتعليمات مكتوبة. ولم تكن هذه العملية معقدة أو غريبة على الرغم من أن تعبير (baroque) يوحي بشيء معقد وغير ضروري

إذا نحينا جانباً الانتقاد الذي أود أن أعرضه على الاستشراق في اختيار اللغة هذا، فإن الشيء المهم هنا هو أن التطورات التي حدثت في منتصف التسعينات، والتي بدأها وتزعمها السلطان قابوس، وضعت في واقع الأمر الأسس التي سيرتكز عليها عدد من عدد من التطورات المحتملة والمؤسسات الجديدة التي يمكن أن تظهر في المستقبل

اعتمد النظام الأساسي للدولة الذي أصدره السلطان قابوس بن سعيد عام ١٩٩٦ م على الفهم الذي تطور خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، بأن الأسرة الحاكمة والسلطتين التنفيذية والقضائية والبرلمان كانت تمثل عناصر مترابطة في هيكل السلطة والمسؤولية والسلطان نفسه على القمة. كما أخذ النظام الأساسي للدولة في الاعتبار تقاليد الشورى العريقة التي تعد من السمات الأساسية للحياة العامة في سلطنة عمان وليس في الحياة السياسية فقط. لكن السلطان قابوس أضاف بحنكته المعهودة إلى هذه العناصر ديناميكية جديدة، وحدد مسار مؤسسات الدولة نحو المشاركة الكاملة للمواطنين العمانيين في إدارة الدولة في المستقبل. وأقول باختصار أن السلطان قابوس وضع إطاراً وفّر الكثير من الفرص للآخرين لاقتناصها دون تحديد كيفية الاستفادة من هذه الفرص

على سبيل المثال، على عكس ما قاله الكثير من المراقبين، فإن النظام الأساسي للدولة لا يحظر الأحزاب السياسية، لكنه في الحقيقة وفر الأساس الدستوري لتشكيل تلك الأحزاب بكل هدوء، حيث تنص المادة٣٣على ما يلي

"حرية تكوين الجمعيات على أسس وطـنية ولأهداف مشروعة وبـوسائل سلمية وبما لا يتعارض مع نصوص وأهداف هذا النظـام الأساسي مكفـولة وفقـا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون." 

وقد نقل السلطان قابوس هذه العملية إلى أبعد من ذلك بقليل في التعديل الوحيد الذي أجراه في النظام الأساسي للدولة. وقد جاء هذا التعديل في أعقاب المظاهرات الشعبية التي حدثت في عام ٢٠١١ م. وهنا عمد جلالة السلطان إلى تعزيز صلاحيات البرلمان ودورة ليشمل، ضمن جملة أمور أخرى، مشاركة قادة المجلسين في عملية الخلافة. وكان من المهم أن نرى أن أحكام النظام الأساسي، بما في ذلك هذه النقطة، تم اتباعها بحذافيرها في يناير الماضي في انتقال السلطة من جلالة السلطان قابوس، رحمه الله، إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم، وقد تم كل ذلك بشفافية كاملة وأمام أعين الشعب

من شاهد منكم البث التلفزيوني للاجتماع بين مجلس العائلة ومجلس الدفاع لاحظ أنه بمجرد أن قرر مجلس العائلة أنه يجب عليهم طلب فتح رسالة السلطان قابوس، تولى المسؤولون المحددون القيام عن العملية التي تم تنفيذها بعد ذلك أمام الكاميرات. رأينا أن رئيس مجلس الدفاع بالإنابة، وزير المكتب السلطاني، هو الذي فتح المغلف الأول، ثم قام وزير الديوان السلطاني بفتح المغلف الثاني. وجلس أعضاء مجلس العائلة يستمعون كشهود على العملية. وحضر ممثلو الحكومة من غير العائلة إلى جانب رئيس مجلس الدولة، ورئيس مجلس الشورى، وأعضاء المحكمة العليا كشهود بصفتهم الأصوات الذين نقل السلطان قابوس من خلالهم اختياره لخليفته إلى عائلته وإلى المواطنين العمانيين بالطبع، ولم يكن هناك قرار عائلي خاص بشأن الخلافة

لقد مر قرابة خمسة وعشرين عاماً منذ أن أصدر السلطان قابوس النظام الأساسي للدولة. أظن أنه عندما ننظر إلى الوراء خمسة وعشرين عاماً أخرى، فمن كان منا موجوداً في ذلك الوقت يدرك أكثر من الآخرين أن انفتاح السلطان قابوس الاستراتيجي على ما يمكن أن يقرره الآخرون وما يمكنهم عمله يعتبر أحد أهم مساهماته الجوهرية في مستقبل البلاد. وأعتقد أنه سيكون من الواضح أيضا أن دور السلطان قابوس شخصيا في تاريخ عمان الحديث - مع سيطرته الرسمية على جميع مفاصل الحكومة الرئيسية- جعل فترة حكمه فريدة من نوعهاإن هذا إرثٌ ينطوي على قدر من التناقض إلى حد ما، لكنه يتوافق في اعتقادي مع شخصية السلطان قابوس، في تواضعه واستعداده لمراعاة طوارئ التاريخ وقرارات ورغبات الآخرين

بعبارة أخرى، يدرك الجار الطيب أنه لا يحتكر الحكمة والخبرة، وأن نفس مبادئ الشورى التي تخلق جواراً جيداً متجانساً، هي نفس المبادئ التي تطور سياسة داخلية سليمة 

قبل أن أنتقل إلى الخاتمة، بالحديث عن الثقافة التي حظيت برعاية جلالة السلطان قابوس، أود أن أتوقف لحظة لإلقاء الضوء على ُبعد آخر لما يمكن أن تحققه السياسة الداخلية لفكرة أن تكون جاراً طيباً. فعمان ليست وحدها من بين جيرانها التي حققت أقصى استفادة من عائداتها من النفط والغاز في توفير التعليم الجيد والرفاهية لمواطنيها. لقد حققت السلطنة إنجازات عظيمة عبر مجموعة كبيرة من السياسات الاجتماعية، بدءا من بناء البنية الأساسية (الكهرباء والمياه والطرق) إلى تطوير التعليم العام

وفي عام ٢٠١٠م، نظر تقرير التنمية للأمم المتحدة التنمية في مستوى التنمية البشرية لكل دولة في العالم على مدى ٤٠ عاما من ١٩٧٠م إلى ٢٠١٠م، وجاءت سلطنة عمان في المرتبة الأولى واحتلت الصين المركز الثانيهذه الحقيقة الملحوظة التي لا يعرفها كثيرون تتحدث عن شموخ عمان وتواضع العمانيين. بيد أنه، وكما بينت سلسلة من الدراسات الاستقصائية والتقييمات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية، حققت سلطنة عمان في عهد جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، نجاحاً كبيراً في مجال الصحة. وقد استند تركيز عمان على الرعاية الصحية الأولية المحلية بشكل فعال على نفس قيم التضامن الاجتماعي الراسخة التي تميز بها استخدام الفلج، وشجعت على تقديم الخدمات على مستوى الولاية. وقد أفضى ذلك إلى بعض الإنجازات الرائعة، مثل برنامج التحصين الذي نجح في تحقيق انخفاض سريع في معدل وفيات الرضع، فضلاً عن حصول السلطنة على أعلى تصنيف عالمي، حيث حصلت على المركز الأول من بين ١٩١ دولة في كفاءة النظام العماني في ترجمة الإنفاق إلى نتائج صحية وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية لعام ٢٠٠٠م

هذه الإنجازات لا تتوافق فقط مع نهج السلطان قابوس للسياسة الخارجية والتنمية السياسية التي أشرتُ إليها آنفا، لكنها جاءت أيضاً نتيجة للتفكير فيما يعنيه كون المرء جاراً طيباً، والعمل على وضع سياسة الحكومة بطريقة تشجع المواطنين على العمل معاً والتضامن مع بعضهم البعض. لقد جعل السلطان قابوس، رحمه الله، الرعاية الصحية أحد أهم أولوياته، وحظيت بدعم جماعي، ولم تكن مجرد خدمة فوقية تقدم عن بعد. وبهذا ضمن جلالته تحقيق الرعاية الكاملة لصحة المواطنين، وعمل أيضاً على تعزيز روح حسن الجوار في وقت كان يمكن لضغوط التغيير الاجتماعي والاقتصادي المتسارعة أن تقوض كافة جهود الرعاية الصحية. ومع استجابة عمان لجائحة فيروس كورونا العالمية، يبدو أن هذه الروح ونظام الرعاية الصحية العامة التي يجسدها يؤتيان ثمارهما بشكل واضح

وهذا يقودني الى النقطة الأخيرة في هذه المحاضرة. من الواضح أن الخمسين سنة الماضية كانت فترة تحول استثنائي بالنسبة لسلطنة عمان. وسوف يذكر التاريخ جلالة السلطان قابوس دائماً لأنه كان يؤكّد على حسن الجوار، ولأنه قاد السلطنة خلال هذه العملية التاريخية من التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي

وسيذكره التاريخ أيضاً لأنه حافظ على الكثير، لاسيما في مجال الثقافة. وبهذا لا أقصد الحفاظ ببساطة على الفنون التقليدية والموسيقى، ولا حتى على الاستثمار في المؤسسات الثقافية الجديدة مثل دار الأوبرا السلطانية، لكنني أتحدث عن شيء أكثر عمقاً: أتحدث عن الثقافة كأسلوب حياة، يعبر عن معاني وقيم معينة ليس في الفن والتعلم فحسب، وإنما أيضاً في المؤسسات وفي السلوك العادي

إن ما حققه السلطان قابوس - وأعتقد أنه قدم مثالا رائعاً في هذا الصدد - هو تشجيع استمرارية الثقافة العمانية المتميزة. هذه الاستمرارية هي التي تجعل سلطنة عمان تشعر اليوم بأنها دولة فريدة ومتميزة. إنها مصدر الفخر والسمو اللذان ما زالا يتغلغلان في التفاعلات الاجتماعية اليومية. لم ترفض الثقافة العمانية مسايرة الزمن، أو أخذ أفضل ما تقدمه الحياة الحديثة، لكنها أصرّت على الاحتفاظ ببعض الطرق التقليدية في عمل أشياء ذات قيمة خاصة. وقد جاء ذلك، جزئياً على الأقل، نتيجة لاهتمام السلطان قابوس ببعض تعاليم الإسلام الأساسية، والتي تحث، على وجه التحديد، على التضامن الاجتماعي وعلى حسن الجوار والتسامح تجاه معتقدات الآخرين التي أشرتُ آنفا إلى أنها تدعم منهج جلالته في السياسة على جبهات متعددة. كان جلالة السلطان قابوس يتحدث بوضوح منذ خطاب العيد الوطني لعام ١٩٩٤ م عن الدوافع الخطيرة التي كانت تحفز المتطرفين. وأصرّ جلالته على أن الإسلام لا ينادي بالتطور الفكري بالاعتماد على تعاليم الماضي فحسب، بل إنه ينادي أيضاً إلى التعاون المثمر مع المجتمعات الغربية. وكان هذا تصريح جريء في وقت لم يكن خطر التطرف مفهوما كما هو عليه اليوم

إن هذا النهج الاستثنائي البالغ الأهمية سوف يدعم السلطنة تحت القيادة الجديدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق. ومما لا شك فيه أن استمرار هذه الثقافة يضفي على المجتمع قوة ومتانة ومرونة. هذه الثقافة تجعل الناس أكثر انفتاحا وأكثر كرما وأكثر تسامحا. فالسلطان قابوس- الجار الطيب الذي كان قائداً عظيماً بهدوئه وتواضعه- جسّد هذه الثقافة. ولكل من يحب عمان، أقول إن فقدان السلطان قابوس يمثل خسارة كبيرة، لكنه يفسر أيضاً تفاؤلنا بمستقبل عمان

شكراً لكم 

Other News

See all news

Apr 15 2020 AOS

How a frightening experience in Somaliland inspired Chris Rothera’s new business in Oman
Read full story

OBBC SPOTLIGHT ON Canopy 'From Death Threats to Tomatoes'
TOP